|
|
||||
|
|
|
|
|
|
|
قصة قصيرة / الأرجوحة
(المشرف العام) - (2010-03-04م)
قصة قصيرة / الأرجوحة عقيل ابو غريب لم تكن رائحة الغرفة نتنة إلى حد استحالة البقاء فيها لعدة أيام أخر .. بعد أن اجبر على الانزواء فيها كي لا يترك للمتربصين به أي مجال للشك بوجود حياة داخل هذا البيت ، فهي الغرفة الوحيدة التي تؤمن له الاختباء دون أن يحس به احد ، الغرفة التي طالما أثارت فضوله عندما كان صغيراً بسب بقائها مقفلة دائماً ولا يحق لأحد دخولها من الأطفال خوفاً من العبث بها فقد جعلها أبوه مخزناً للمواد الغذائية والمؤن كالرز والطحين والسكر والبقوليات بالإضافة إلى تسلق جدرانها خيوط الباميا والثوم اليابس ، وكان للشباك الصغير الوحيد فيها والمطل على بيت الجيران ، دور كبير في رفد الغرفة بالأوكسجين بعد أن أشبعت برائحة الثوم والبصل. صرخ بصمت صرخة مكبوتة لم يسمعها سوى داخله وهو يزم شفتيه : (( لماذا .. لماذا اجبر على العيش بهذه الطريقة ؟! )) قبل أيام غادرت عائلته البيت مرغمة ، بسبب ما حصل من نزاع في المنطقة لا بأس .. إن كان اسمه عمر أم علي .. ففي كل الأحوال سيقتل ولا منجى له إلا بترك كل شيء والرحيل من المنطقة ، تهجير قسري .. يا لحجم الكارثة ! لكنه رفض ترك بيته وأصر على البقاء بعد أن سمح لعائلته بمغادرة المنطقة بل المدينة كلها حرصاً منه على بقائهم أحياء . قال في سره وهو يذرع الغرفة ذهاباً وإيابا : (( حمداً لله إننا في فصل الشتاء لو كنا في فصل الصيف لكانت رائحة الغرفة أكثر نتانة.. )) أحس إن الأوكسجين بدأ ينفد من الغرفة وعليه أن يفتح الشباك بأسرع ما يمكن وقبل أن يصل الشباك سمع صوتاً يأتي من بيت الجيران فرجع أدراجه دون أن يجرؤ على فتح الشباك .. لم يكن يخاف قبل اليوم من جاره ولكن شكوكه ببقائهم في البيت دون مغادرة المنطقة جعله يتوجس منهم الريبة والحذر ، وفكر بمغادرة الغرفة إلى الحديقة لتجديد الأوكسجين الذي تعفن في صدره قائلاً في سره : (( لابد من كسر الحصار الذي فرضته على نفسي..)) وربما كان خوفه كبيراً ولا مبرر له .. فمنذ أن دخل غرفة المؤن هذه وهو لم يسمع صوت أي طلق ناري . جمع جرأته ورباطة جأشه وقرر مغادرة الغرفة.. ثم تساءل بعد مغادرته وهو يعبر الحديقة ليصل إلى الباب الرئيسي للبيت .. (( ماذا يحدث الآن في الشارع ؟ )) وهل باستطاعته لو خرج من البيت للوصول إلى أبو احمد العطار لكي يبتاع علبة سكائر جديدة أن يعود بسلام ،وهو يكابد رغبة جامحة، فقد نفدت آخر علبة سكائر حرص على بقائها فترة أطول قبل أكثر من ساعة همس في ذاته: (( مجازفة قد لا تحمد عقباها .)) بدأت الشمس تنحدر تدريجياً إلى الأفق البعيد باتجاه الغرب فخيم الظلام على البيت من كل جانب والكهرباء حتماً لن تفضح أمره وهو يحاول أن يتنقل في أرجاء البيت بحريته بعد أن امن انقطاعها منذ أكثر من ثلاثة أيام .. بانت له الأرجوحة في جانب الحديقة بالقرب من باب البيت الرئيسي وكأنها تتحرك لوحدها أو ربما بفعل الرياح الخفيفة التي أخذت تحرك أوراق شجر النارنج المنتشرة على طول خط السياج المحاذي للشارع .. خاف أن يكون احدهم قد دخل إلى المنزل ، تناهى إلى سمعه صوت إطلاق عدة أعيرة نارية أرجعته قليلاً إلى الخلف وهي تقترب .. ولكن منظر الأرجوحة وهي تهتز ذكره بأبيه عندما كان يجلس فيها ليلاً وهو منفوش الريش كالطاووس حيث تجلس أمه المسكينة قبالته وهي تعدل له نار (الناركيلة) بين الفينة والفينة ، كانت دائماً تفكر بإرضائه على أتم صورة ، وحين يعود من الحرب ليلاً وبعد غياب يدوم أكثر من ثمانية وعشرين يوماً وفي بعض المرات إلى شهر ونصف أو أكثر كان يقضيها في جبهة القتال .. كان يراه لوحده جالساً في الأرجوحة بعد أن تعبت أمه من مسامرته وتلبية طلباته .. بينما وهي ذاهبة إلى النوم تضع باطن كفيها لتدفعه إلى الأمام بكل قوة وهي تضحك مرددة كلمة ( وله زغيرون ) تاركة له حرية البقاء في الأرجوحة، وفي بعض الأحيان تشرق عليه الشمس وهو على حاله في حديقة البيت . وفي كل مرة كان يقبله وكأنه لم يصدق عودته إلى البيت من جديد .. وانتهت الحرب وجاءت حرب أخرى وأخرى .. - ياه لا أتذكر إننا عشنا أيامنا التي مضت بدون حروب وجوع ومرض .. ؟! ثم انتبه مرة أخرى إلى الأرجوحة .. تساءل: - هل الأرجوحة تهتز هكذا لوحدها ؟ أم إن شبح الظلام دفعني إلى هذه التخيلات ؟ الساعة تجاوزت السابعة مساءً ، سمع جلبة خارج البيت .. وصوت إطلاق عدة أعيرة نارية .. وبعد لحظات سمع دوي سقوط قذائف هاون قريبة من بيته وتحليق مروحيات في سماء المنطقة واختلطت كل هذه الأصوات في رأسه ومن ثم داهمه صوت سيارة إسعاف وأخذ يرى الوميض المتقطع لسيارات النجدة الذي بدأت وكأنها تلاحق احداً في المنطقة مع اشتداد وقع القصف وازدياد عدد المروحيات المحلقة في السماء . راودته مشاعر عدم الاطمئنان لأنه لا يستطيع فتح الباب الخارجي ليعرف ماذا يحدث بالضبط في المنطقة وما هذه ألجلبة . لم يكن أمامه سوى خيار الصعود إلى الأعلى فوق السطح ومشاهدة ما يحدث في الخارج .. اقترب بحذر شديد من جدار السطح الأمامي المرتفع قليلاً عن قامته حاول ان يرفع رأسه ليتسنى له أن يرى بوضوح لكن أزيز رصاصة مرقت من جنب رأسه أفزعته وجعلته يأخذ وضعية الانبطاح على سطع بيته، لكنه أحس بحرارة ما، تشتعل في دماغه. عقيل ابو غريب التعقيبات المنشورة لا تعبر بالضرورة عن
رأي الشبكة
» التعليقات «0» |
برنامج المتميز الاخبارى الاصدار 1.5 احد برامج ايماكس للخدمات البرمجية © 2010