|
|
||||
|
|
|
|
|
|
|
الصخرة والفأس في كتاب (وعي التأسيس)
(المشرف العام) - (2010-02-20م)
الصخرة والفأس في كتاب (وعي التأسيس) صادق ناصر الصكَر اخطأ الارجنتيني المبصر خورخي لويس بورخيس عندما اعلن ذات مرة بان كل الاشياء قد قيلت لاننا مع كل قراءة ثقافية نابهة سنكتشف ان الذي قيل كان يجب ان يقال بطريقة اخرى وبالتالي فان دروبا ً مجهولة ستكون بانتظارنا ونحن نحث الخطى للتعرف على العالم من حولنا وصخوره الصماء التي لا تكسرها فاس واحدة، حسب المفهوم الخفي لمقولة بورخيس، بل تكسرها فؤوس، وثنائية الفاس الواحدة والفؤوس العديدة هي التي ستجعلنا نفهم ما معنى ان يكون بورخيس فنانا ً ماهرا ً في القصة والشعر ورجعيا ً بامتياز في الفكر والسياسة . وربما كان التفكير الضروري والهام بالمشروع الثقافي للكاتب الذي يؤمن بمنطق الفؤوس العديدة، حتى لو كان واحدا ً من فرسان الفانتازيا ومتاهاتها الكبرى، هو الاضافة النوعية للنقد الثقافي الذي يلح على دنيوية النص وتعالقاته السرية بفكرة الثقافة الذاهبة، شئنا ام ابينا، باتجاه الخارج المسكون بتاريخ من الاسئلة الغامضة ... ذلك هو معنى اهتمامنا بالمبدع الذي لا يتوقف عن تاملاته الطويلة بما يدور حول نصوصه اي ما ينتظرها وهي تمضي قدما ً للاعلان عن رؤيتها للحياة في مكان ما وفي حقبة زمنية ما وفي العمق من مرحلة تاريخية قد تتحكم بها الاوهام والاساطير لدرجة احتقار الفن . وفقا ً لمنطق العصر، وبناءً على معرفتنا بازمة الثقافة في عالم موزع بين مركز متروبولي تتلاعب به الارقام وهواماتها والصورة واغواءاتها والاستهلاك ولذاته والكولونياليات وغطرستها وبين اطراف دوختها الابخرة الفاسدة للتخلف والنكوص والقروسطيات والجرائم الثقافية والجهل المحض، فان مبدعا ً يطلق النصوص وهو يفكر بالمشروع يمثل امتيازا ً.انه قد يكتب الشعر، مثلا ً، ولكن كتابة الشعر لديه تمثل فاتحة للحراك الثقافي الذي يجيد استخدام اسلحة الشعر لصناعة الاسئلة الذكية التي تبتدا بالشعر ولكنها تمضي الى ما وراءه، الى الدراسة الثقافية التي تجعلنا نتعرف على اشتغالات الشاعر بوصفه مثقفا ً نقديا ً ( على سبيل التوضيح فان ادونيس لم يك شاعرا ً كبيرا ً، وهو كذلك باعتراف الجميع، لانه قد كتب، فيما بعد، الثابت والمتحول، زمن الشعر، فاتحة لنهايات القرن، ولكن اكتشافات ادونيس وتبصراته الثقافية، حتى مع فرط الاختلاف اذا ما دخل النقد الثقافي على الخط، كانت ضرورية لنا - نحن القراء - كي نواصل الاقتناع باهمية الشعر لاكتمال الشرط الثقافي العام ... صحيح ان بامكان الشاعر ان يكون موهوبا ً وحقيقيا ً دون ان يكون مطالبا ً بالتورط الثقافي الشامل، ولكن موهوبا ً اخر سيكون اكثر قربا ً من نبض الشعر وهو يتوغل في هذا العالم اذا ما كانت نصوصه الشعرية تقف الى جوار مدوناته الثقافية اللامعة العابقة برائحة المناكدات السوسيو / ثقافية، تلك هي المسالة، الموهوب والموهوب الآخر الذي يتقدم عليه بخطوة ... اما الموهوم فليس هناك من سيصغي اليه عندما يريد ان يصدع رؤوسنا ويخرب حواسنا بالحديث عن تحولاته الثقافية حتى لو اشتعلت لغته شيبا ً بالشعر الصدا، وقد لا نتفق مع كل من يقوله اصحاب المشاريع الثقافية الجادة ولكننا لا نملك سوى ان نصغي لان التجربة، تجربة الفؤوس العديدة، هي التي تتحدث). وتاسيسا ً على هذه الرؤية لاشكالية الشعري / المعرفي، وبالتزامن مع معرفتنا باهمية وفرادة الكتابة الشعرية لدى الشاعر والناقد العراقي المبدع جمال جاسم امين والتي كانت تزداد تجذرا ًَ في المشهد الشعري العراقي منذ مجموعته الشهيرة " سعادات سيئة الصيت " وصولا ً الى مجموعته الاخيرة " الاخطاء رمال تتحرك "، اقول بالتزامن مع ذلك فان الكتاب الاخير لامين، اي " وعي التاسيس " ( اصدارات رابطة ادب الثقافية / 2009 )، والذي يتضمن جملة من الدراسات الثقافية، سيكتسب اهميته من جهتين، فهو من جهة يمثل امتدادا ً لمشروعه النقدي والثقافي المتمثل في كتبه السابقة : " اسئلة النقد "، " تحولات النص الجديد "، و " بين الثقافة والكارثة "، ومن جهة اخرى فان الدراسات التي تضمنها " وعي التاسيس " كانت تقوم بمقاربة الاشكاليات التي القت بظلالها على ما تم الحديث عنه في كتاب " بين الثقافة والكارثة " ولكن دون ان تحظى بفرص الدخول في استراتيجية التسمية الواضحة كما حدث في هذا الكتاب الذي حرص فيه امين على ابتكار المكاشفات الثقافية والنقدية اللازمة لتاصيل مشروع البديل الثقافي كما تم التعبير عن ذلك انطلاقا ً من العنونة.في مقدمة الكتاب يكتب جمال جاسم امين : " ان مشهد الثقافة العراقية الآن يعاني من تصدعات مريرة واظن ان حجم وفداحة هذه التصدعات هو الذي يغذي حاجتنا الى بديل " ( ص 12)، وقد يعتقد المرء - بالمقايسة مع افق توقع سائد - ان بورخيس كان صادقا ً وان فاسا ً واحدة تكفي طالما ان الغالبية العظمى من المثقفين العراقيين ما زالت تتحدث عن التصدعات وكانها قد عثرت، اخيرا ً، على ضالتها الثقافية، فما هو الجديد اذن في هذا الكتاب الذي راى النور بعيدا ً عن مطابع المركز البغدادي.!! للاجابة عن ذلك، ودونما حاجة لتهويل الاشياء الصغيرة لاسيما واننا نقرا لمؤلف عراقي مهم لا يؤرقه العوز الى كشافات الانارة، فانه يكفي ان يطلع القارئ على مواضيع القسم الاول من الكتاب والذي اطلق عليه امين " فهرس التصدعات " لكي يراقب الفرق، في طريقة انتاج المفهوم، بين هذا الكتاب وبين سواه ... ففي الفقرة التي حملت عنوان " نكسة الحداثة " يكتب امين : " ان تاريخ الثقافة في العراق كان يحمل وعدا ً باتجاه التحديث ولعلنا نشير الى ستينيات القرن الماضي وما تخللها من حراك فاعل غير ان المفارقة هنا : بعد اربعين سنة من ذلك التاريخ تنهض لحظة نائمة لتنسف الوعود والعقود ! هل يحدث مثل هذا النسف بسبب لاجذرية التاسيس ! ام انه يشير الى ان مضادات التحديث المترسبة في قاع المنظومة الاجتماعية الراسخة في الثبات قادرة على ان تنسف منجزات الشاعر او الفنان وقت ما تشاء ؟ ... بعد ذلك لم يبق لمفردة الحداثة سوى دلالتها الادبية او الفنية لا غير وهي دلالة فردية / احادية تشير الى عزلتها التامة باتجاه النكوص والتراجع، انها بهذا الوصف لا تنتج سوى فراشات شعرية منداة باريج حداثي ولكنها تسبح في فضاء تالف، اما السؤال عن امكانية تحديث هذا الفضاء فهو القضية التي تحتاج الى مزيد من الكشف " ( ص). (45) في هذه الفقرة، مثلما هو الحال على امتداد الكتاب، يعمل جمال جاسم امين على طريقة الكتابة بالمطرقة - كما يطلق عليها فردريك نيتشة -، فقرات قصيرة متراصفة وقوية وتتجه نحو الهدف بدفع المضمون المشترك، وارى ان المقتبس السابق، بسطوع سطوره ولمعانها، تختصر كل ما يمكن ان يقال حول محنة الثقافة العراقية، وامين يقوم بذلك من اجل الثقافة العراقية لا لكي يتشفى بها كما فعل علي بدر مثلا ً في سردياته الشهيرة : علينا، اذن، نحن المثقفين، ان نقوم بالاسهام في معالجة الفضاء التالف قبل ان نخدع انفسنا بحياة زائفة يتفسخ فيها كل شيء بينما نتسلى بالركض وراء الفراشات الشعرية ... هذا هو الجديد، الكل يتحدث عن تلف الواقع وكان حداثته النصية، او المفرطة في نصيتها، لا علاقة لها البته بذلك التلف وهو الخطا الكبير الذي ارتكبه النصوصيون عبر تاريخ ثقافتنا ... هذه هي حافة المفهوم في ما كتبه امين : ان نحدق جيدا ً في هذا الفراغ المروع وان تمتد ابصارنا الى ما وراء سرب الفراشات الهائل الذي قد يحجب عنا تلك الصخور الهائلة التي تحيط بنا من كل جانب وهي تقتل كل ما هو حداثي في الحياة بينما هي تملا آذاننا بطنين الحداثة !! ... على هامش ذلك فاننا يمكن ان نذكرّ ان الخطاب الشعري لدى امين كما تجلى ذلك بوضوح في مجموعاته الشعرية كان حافلا ً بالرغبة العارمة لمعاينة الاشياء من حولنا وقد مثل ذلك استثناءً مميزا ً اذا ما تذكرنا ان امين، وفقا ً للتحقيبات العشرية للشعر العراقي، كان شاعرا ً ثمانينيا ً وكان من المفروض ان يشابه مجايليه في العابهم اللغوية التي وصل الكثير منها الى عتبة الهوس واللامعنى في حمى الاحتفاء بالذات.اذن، فان امين الذي يؤكد : " ان فكرة البديل الثقافي تحاول ان تكون ورشة اسئلة لا غير ... اسئلة فاصلة في لحظة تاريخية فاصلة ايضا ً " ( ص 69 )، كان يرى ان البؤرة الثقافية لفكرة البديل الثقافي كانت تستمد قوتها من الحاجة الى ان لا نرى الشجرة التي تحجب عنا الغابة، بل المهم ان نرى الغابة كلها، ولا ارى ضرورة للتدليل على الخسائر الفادحة والمعلومة لدى الجميع، وفي مقدمتهم الشعراء، التي تكبدتها الثقافة العراقية بعد ان تحولت الشجرة / الطوطم الى ما يشبه الوباء في تلك الثقافة . في مفصل آخر من الكتاب يتحدث جمال جاسم امين عن " قلة الثقافة وكثرة التعليم " في المجتمع العراقي، وهي عبارة يستمدها امين من الدكتور خلف الدليمي قبل ان يعقب قائلا ً : " ان هذا التشخيص يظهر واحدة من التصدعات الكبرى في مفهوم الثقافة بل ومفهوم التعليم ايضا ً خاصة اذا ما اكدنا على فهمنا للثقافة بانها منظومة اداء وان التعليم هو واحد من الاساليب المتبعة لتحسين هذا الاداء " ( ص 29 )، فاذا كانت الذاكرة الثقافية العامة تستطيع ان تعود الى ما كتبه المفكر والناقد الكبير ادوارد سعيد في الفصل الرابع الذي حمل عنوان " محترفون وهواة " في كتابه الشهير " صور المثقف " عندما يتعلق الامر بقضية الاستسلام الاكاديمي المتزايد للتخصصية الذي ياخذ، فيما بعد، شكلا ً من الكسل الذي يقتل احيانا ً حس الاثارة والاستكشاف لدى المثقف، بتعبير سعيد، الا ان المقاربة الثقافية لهذا الموضوع، عراقيا ً، كان واحدا ً من الامور التي لم تخضع لما تستحقه من تحليل، وهذا ما يشكل اهمية حضوره في كتاب " وعي التاسيس " . وعلى الرغم من ان الفصل بين الاكاديمي والثقافي العام قد يبدو فصلا ً تعسفيا ً في العالم الثالث لان حضور الاكاديمي وطبيعة صعوده لايتخذان الشكل الذي يصفه ادوارد سعيد في كتابه الذي اشرت اليه وهو يضع الخطاطة الخاصة للعلاقة القائمة في الغرب بين المشروع الاكاديمي المؤمن بالتخصص الميكروسكوبي وبين مجمل النشاط الثقافي من حوله، الا ان توقف الاكاديمية العراقية عن تغذية الثقافة العراقية يعتبر، بالفعل، عطبا ً بنيويا ً وتصدعا ً حقيقيا ً ... لا يتعلق الامر باثنينية المثقف الحر، او الهاوي، وضديده المفترض، اي الاكاديمي المنمط، لاسيما وان نقد المثقف قد شغل حيزا ً مهما ً في كتاب جمال جاسم امين، بل انه يدور حول الدراسات الثقافية الجادة التي يقوم امين باستلهام استبصاراتها الثاقبة للتعرف على مشاكل الاكاديمية التي " خرجت من معادلة الثقافة بينما يفترض ان تكون واحدة من المؤسسات الفاعلة في هذا المضمار " ( ص 31) . ان بلدا ً ناميا ً مثل العراق، هذا الذي لا تكفي فاسا ً واحدة لتكسير صخرة تخلفه الكبرى، سيبقى في حاجة دائمة الى الدور المرتقب للاكاديمية في انعاش الحياة الثقافية ولذلك فان انكفاء تلك الاكاديمية على نفسها وتحولها الى حواضن مغلقة لتفقيس " الاساتذة "، بالمعنى الذي اشار اليه ادوارد سعيد، سيجعل الثقافة العراقية لا تفلت من فخ الا لتقع في براثن غيره . لقد تحدث المؤلف في هذا الكتاب الحيوي عن قضايا شتى عندما كان ينتقل من " ظاهرة تمدد الادب الشعبي " الى " ثقافة المركزيات " و " ازمة مرور الثقافة وسلطة التسويق " اضافة الى " ندرة انتاج المعنى ووفرة الاستهلاك " مرورا ً بـ " الثقافة العراقية وسلطة الخرافة " قبل ان يخصص القسم الثالث، وهو الاخير، لاضاءة مشروع البديل الثقافي بوصفه " دعوة لتذكير المثقف باهم وظائفه المنسية واشارة لا يستهان بها الى ان هناك ثقافة كارثية / ثقافة تالفة ينبغي مراجعتها اولا ً واستبدالها اخيرا ً " ( ص 105)، كما يكتب امين موضحا ً، وهو عبر هذه التحولات الساخنة في رصد الاشكاليات الجوهرية في الثقافة العراقية، كان يعمل على استكمال مشروعه الثقافي، المعايش لتجربته الشعرية، بطريقة لا تتوقف عند حدود الاسئلة التقليدية التي لا تاتي الا بعد الاطمئنان من حضور اجوبتها، بل هي تمتد نحو الاستفهام العابر لكل ما هو قار ومتكلس الاستفهام المعبا بجملة من التوقعات التي قد تدفع بنا الى سواها، حين تعلمنا ان شرور المغالطات الهندسية تكمن تحديدا ً في انها تثرثر كثيرا ً عن قمة الهرم دون ان تحدثنا عن السرديات الحزينة لقاعدة ذلك الهرم ... في خاتمة روايته المهيبة " الجريمة والعقاب "، كتب دستويفسكي : " هذه بداية قصة جديدة، على اية حال . قصة تجدد انسان وانبعاثه، تحوله التدريجي من عالم الى آخر، تعرفه على واقع جديد كان جاهلا ً به تماما ً، هذا ما يكون موضوع قصة جديدة، اما قصتنا الحالية فقد انتهت "، وربما كان المكتوب في " وعي التاسيس " موضوعا ً لبداية قصة جديدة في الثقافة العراقية بعد ان انتهت قصتنا الحالية، قصة القمم المعزولة عن قواعدها، والتي علمتنا، رغم كل جروحنا، ان القليل فقط هو ذلك الذي قيل وان فأسا ً واحدة لم تعد تكفي اذا ما تعلق الامر بالحديث عن الصخور.!! صفحة للطباعة صفحة للطباعة أرسل هذا الخبر لصديق أرسل هذا الخبر لصديق · البحث في اخبار ثقافة · البحث في اخبار جميع الصفحات أكثر خبر قراءة في ثقافة: خُـرافَةُ فَـرَح التعقيبات المنشورة لا تعبر بالضرورة عن
رأي الشبكة
» التعليقات «0» |
برنامج المتميز الاخبارى الاصدار 1.5 احد برامج ايماكس للخدمات البرمجية © 2010