» مدير المركز يحاضر في ورشة عمل جمعية الدفاع عن الطفولة » المركز يصدر كتابه الرابع » قنــوط » الامام علي(ع) » مركز وعينا ينظم ورشة عمل حول تنمية القدرات » جُنّ بي » ثقافة في حوار / في استذكار السينما العراقية ( جعفر علي ) » خرائبُ المنفى » امرأة غريبة تمشي على السطح » ثلاثية........ » الفن التشكيلي المعاصر في العراق تعدد المصادر وأختلاف الأساليب » هل ما يجري في الاقتصاد العراقي فوضى خلاقة ؟ ! » دار ... دور » رقة ُ عصفور أزرق » أزمة الفـكر البشري / رؤية سوسيولوجية نقدية » دعوة الى مراجعة قصيدة النثر » مصلحاً وقائداً ... لأمة » من بعدك أيها السيد » مركزنا يقيم حفلاً تأبينياً للسيد فضل الله » وصية السيّد حفظ الإسلام » قائد الثورة الاسلامية يعزي برحيل العلامة السيد فضل الله (قدس) » رحيل الـرّجال المحترمين » يوم لإشهار الحبّ والشّوق... يوم لرفع الأيدي بالوداع » تشييع جثمان المرجع الديني السيد محمد حسين فضل الله (قدس) » ذلك فضل الله... يؤتيه من يشاء!
مكاشفات لثقافة بديلة وعي التاسيس / الحلقة الاولى
 (المشرف العام) - (2010-02-20م)

مكاشفات لثقافة بديلة وعي التاسيس / الحلقة الاولى

علي الامارة

في المنعطفات التاريخية المهمة حين يقدم الخطاب السياسي بديله الدال على ضرورة انبثاقه ودحضه للخطاب السياسي السائد قبله .. على الخطاب الثقافي ان يقدم بديله ايضا والا فانه سيكون مضطرا للالتحاق التابع بركب السياسي وستنعكس ملامح ذلك الخطاب السياسي على الخطاب الثقافي مما يفقده هويته كخطاب له عمقه الفكري والمعرفي وتواشج نسيجه الحضاري المتاصل في الذات المثقفة .. وبالتالي سوف تسقط ثقافة السياسي المبنية في الغالب على الصراع من اجل السلطة على ثقافة الثقافي المبنية على الصراع من اجل الحقيقة والمعرفة بل حتى مساوئ السياسة التي تنحدر احيانا الى الفئوية او الطائفية او التجاذبات الاخرى سوف تنسحب الى ساحة الخطاب الثقافي الراضي بالالتحاق صاغرا بتلك الثقافة السياسية ذلك حين يغيب الخطاب الثقافي البديل الذي على الثقافة ان تسجل حضورها الجديد من خلاله .. من وطأة هذا الشعور بمسؤولية المثقف في المرحلة الراهنة دأب جمال جاسم امين شاعرا ومثقفا على تقديم مشروعه لاثارة الاسئلة الثقافية التي تحاول ان تحرك الركود الثقافي وتدفع بقارب الثقافة بعيدا عن ( بحيرة الصمغ ) بحثا عن مياه رائقة قابلة للحوار والحراك الثقافي لتفعيل سكونية المشهد والتحول من اسئلة الشعر الى اسئلة الثقافة من منطقة البعد الشعري الابداعي الى النقد الثقافي وصولا الى شخصية الناقد الضد او الاحتجاجي القادر على ابتكار الصدمة والنبش في قاع ريح ميتة ..

وبما ان جمال جاسم امين يدور بمشروعه هذا في فلك المثقف النقدي الذي تكلم عنه ادوارد سعيد في كتابه - صور المثقف - فسنجعل من سعيد رائدنا للاقتراب من امين يقول ادوارد سعيد في كتابه "صور المثقف" (ص37): "إن المثقف بحسب مفهومي للكلمة، لا هو عنصر تهدئة ولا هو خالق إجماع، انما انسان يراهن بكينونته كلها على حس نقدي، على الاحساس بأنه على غير استعداد للقبول بالصيغ السهلة، او الافكار المبتذلة الجاهزة، او التأكيدات المتملقة والدائمة المجاملة لما يريد الاقوياء والتقليديون قوله او فعله. ويجب الا يكون عدم الاستعداد هذا، مجرد رفض مستتر هامد، بل ان يكون رغبة تلقائية نشطة في الإفصاح عن ذلك علناً.. ) من هذا الوعي بعدم الرفض المستتر بل يالافصاح الجريء وبالاحساس العميق بمسؤولية المثقف ولا سيما في الظروف التاريخية الاستثنائية
و منذ بداية عام 2005 وبعد ان استقرت صدمة التغيير الذي حصل في العراق بعد 2003 بدا جمال جاسم امين يقدم طروحاته الثقافية من خلال مجلة البديل الثقافي ذات العنوان الصادم ومن خلال كتبه في هذا الصدد - بين الثقافة والكارثة - او كتابه - اسئلة النقد - او كتابه - تحولات النص الجديد- ومن خلال نزوله الى الشارع الثقافي وتفديم مشروعه في اتحاد الادباء في بغداد وفي اتحاد ادباء البصرة والشوارع الخلفية للثقافة بعيدا عن الابراج العاجية او الوقوف على تل الفرجة .. وصولا الى كتابه الذي نحن بصدده الان ( وعي التاسيس - مكاشفات نقدية لتاصيل مشروع البديل الثقافي ) .. كان جمال خلال هذه المدة يثير غبار الاسئلة ويبحث عن الاجابة لياخذها من على شفاه المثقفين ويضعها في معرض اشتغاله ومشغله كما كان في الوقت ذاته يثير غبار الاجوبة بوجه الاسئلة المصدومة بقوة المشروع الثقافي الجديد وجراته .. لايمانه العميق بان مشروعه الثقافي جمعي او هكذا يجب ان يكون لان المياه الراكدة لا تتحرك او تتبدل الا بحركة الايدي والارجل الثقافية جميعها ومعرفته بان الانتكاسات الثقافية والحداثية السابقة لم تكن الا بسبب الفردانية والذات الثقافية التي تتحرك بانوية مشدودة بقوة الى برج عاجي سرعان ما تعود اليه عند اول اصطدام بواقع متغير غير مامونة عواقبه الثقافية وكما يقول ادوارد سعيد في كتابه - صور المثقف : ( ان تصدي المرء لهذا الامر الخطر امر صعب ) ويفضل ان ( يتدخل المثقفون بشكل جماعي ).. ولعل لغة جمال جاسم الشعرية المستمدة من شخصيته الشعرية الراسخة في المشهد اعانته على طرح مشروعه الثقافي الذي يتطلب ما في عمق اللغة الشعرية من قوة انزياح وتكثيف ومجاز وعرض الواقع في مرايا البوح والتعبير الصادم .. كان لابد من لغة شعرية نافذة تؤازر هذا الطرح الجديد فكان على جمال ان يحلق بجناحين الاول هو الثقافة الراصدة المستوعبة للمشهد والمحاولة تغيره او تفعيله والثاني اللغة الشعرية التي تحاول ان توسع فضاء التعبير عن هذا المشروع بلاغيا .. كان لابد من جناحي الفكر والخيال لكي يحلق النسر فوق الخرائب .. وفي ملتقى هذين الجناحين تكمن الجراة على الطرح والتشخيص والقدرة على القول للخراب انت خراب وان تجملت .. !
تلك الجراة التشخيصية التي تفهرس التصدعات وتضعها على مرايا العرض لكي تصبح جاهزة للنقد الثقافي .. سواء كانت هذه التصدعات ثقافة تبريرية وازمة تاسيس او ظاهرة تخوين المثقف او ازمة ثقافة الاحتجاج وشيوع منطق الصدفة او ظاهرة قلة الثقافة وكثرة التعليم في اكاديمياتنا العاطلة او ظاهرة تمدد الادب الشعبي والمديح السائد ونقص ثقافة الحقيقة وثقافة المركزيات ونرجسية المثقف وازمة الاعتراف وبالتالي نكسة الحداثة وازمة مرور الثقافة وسلطة التسويق وصولا الى هجرة النصوص الادبية وظاهرة الادب المغدور .. موزائيك خرابات ثقافية ملونة يتطلب عرضها مكاشفات نقدية مدججة بالقدرة على انتاج بدائل ثقافية .. من هنا قسم المؤلف كتابه الى ثلاثة اقسام الاول هو فهرست التصدعات والثاني مكاشفات نقدية والثالث هو البديل الثقافي مشروعا ومطبوعا .. كان على جمال تفكيك بنية الخطاب السائد لكشف هشاشته وعدم صلاحيته للاستمرار في مرحلة ما بعد التغيير وعدم قدرته على مناهضة السياسي ندا وموازيا له .. من هنا بدا بترسيم حدود الظواهر التي يراها تالفة تستوجب التغيير والتجاوز فحدد ظاهرة الثقافة التبريرية وازمة التاسيس التي تحتل حيزا في مجال مساءلة العقل العربي من خلال عدم استثمار المقولات او الافكار الكبرى ما سبب انقطاعات رافقت المشروع الثقافي العربي وبالذات العراقي منه .. على اساس ان المعارف بدات بمقولات كبرى تجذرت في قاع العقل الجمعي لتصبح برامج فاعلة وحقول اشتغال مستمرة .. وعدم استثمارها ادى الى تصنمها ووقوفها العقلي عند حدود الحكمة وعدم كسر قشرة هذه الحكمة وصولا الى لب الفلسفة او العلمية التي تنطوي عليها هذه الحكمة .. حيث اطمانت الثقافة العربية الى سطحية الحكمة وليس غائيتها فاكتفت بالغرف من ماء نهر الحكمة دون النزول الى القاع .. ذلك القاع الذي يؤدي التعامل الكشفي معه الى ثقافة التحول والتحاوز بعيدا عن الرضا بالغرف السطحي من المعرفة .. فمقولات مثل بيت المتنبي :
والظلم من شيم النفوس فان تجد
ذا عفة فلعلة لا يظلم
الذي يمكن عده مسارا لقراءة وكشف في علم النفس والاجتماع اكتفينا منه بقشرة حكمية قارة .. بل حتى ايات الصبر في النص القراني مثلا كما يذكرها المؤلف وقفنا عند معناها الخنوعي لمفردة الصبر دون الغوص في فضاء هذه المفردة الدال على الارادة والثبات ضد التفسخ النفسي والزوال والانكماش في زاوية واحدة من الثقافة والحياة والاخطر من ذلك ليس الانقطاع عن فعل التاسيس فحسب بل تاصيل ثقافة التبرير حتى تصبح نسقا ثقافيا سائدا ..
وفي صدد تصغير المقولات نتذكر راي ادوارد سعيد في ان : من مهام المثقف الرئيسية بذل الجهد لتهشيم الاراء المقولبة والمقولات التصغيرية والتي تحد كثيرا من الفكر الانساني والاتصال الفكري ..


يكسر جمال قشرة هذه الحكمة المحصنة بفكرة - ان الحكمة نهاية لا جدال فيها - بقوله ان الحكمة تستند الى الخبرة غالبا والخبرة متحركة من هنا يجب ان نحرك فضاء الحكمة الجامد .. وفي المشهد العراقي انتعشت الثقافة التبريرية لتقف عائقا امام اية خطوة تأسيسية للتجاوز ..
اما ظاهرة تخوين المثقف فهي الية اخرى جاهزة ولا سيما لدى الخطاب السياسي الذي ما ان يقدم المثقف مشروع التاسيس حتى يضعه السياسي في الجانب الاخر المضاد حين تتعارض المفاهيم الثقافية الجديدة او بعضها مع خط ذلك الخطاب السياسي والايديواوجي من هنا نشأ صراع بين الخطابين السياسي والثقافي وهو ضراع قديم منذ فجر المعرفة والفلسفة حيث دفع سقراط حياته ثمنا لهذا الصراع مرورا بمايكوفسكي والحلاج وغيرهم لهذا على الثقافة ان تقدم انموذجها الصراعي وهو المثقف النقدي او الاحتجاجي لكي تخلص من هيمنة السياسي الداعي الى انتشار واستقرار ثقافة القطيع .. وكما قال احد الوزراء العراقيين - ابراهيم كنة - وزير التربية في الاربعينات من القرن العشرين ( امي مخلص خير من مثقف هدام ) ولكن ما هو الاخلاص ولمن في نظر هذا الوزير وما هو الهدم في رايه وبالتالي ما هي المواطنة وكيف ينظر اليها من افقه الحزبي الضيق ........................
ان ثقافة القطيع تستند بقوتها الى امية هذا القطيع لتعضيد وترسيخ مشروعها السياسي وهنا اتذكر قولا لمعاوية ( قولوا لعلي باني ساحاربه برجال لا يميزون بين الناقة والجمل ) مع بديهية هذه المعرفة عصرذاك فاعلى مستويات الامية هي اعلى مستويات القطيع المخلص .. وفي هذا المآل تنشا ازمة ثقافة الاحتجاج فتغدو اعتداء على قداسة النمط ....... المثقف المتواطئ مع انويته من جهة ومع قداسة النمط السائد من جهة اخرى ، ومن قتامة هذا المشهد الثقافي تنبع اهمية المثقف الضدي او الاحتجاجي وهذه هي لحظة الاصطدام او ربما الاقناع بين هاتين الثقافتين المتواطئة والمحتجة المكتنزة بوعي التاسيس والقدرة الاستبدالية ..




علي الامارة

التعقيبات المنشورة لا تعبر بالضرورة عن رأي الشبكة
» التعليقات «0»